الشيخ محمد هادي معرفة

227

تلخيص التمهيد

نعم لم يكن إنكارهم على أمثال هؤلاء لجانب تحكيمهم للآراء والأذواق الاجتهادية ، بل لجانب خروجهم عن موافقة مرسوم الخطّ ، فالقراءة إذا كانت متوافقة مع ظاهر الرسم فلا تعدُّ منكرة . وقد كانت ميزة القرّاء السبعة وغيرهم من المشهورين المعتمدين هو التزامهم بموافقة الرسم خطّاً ، كما يحدِّثنا أبو محمَّد مكّي بأنَّ حفصاً قرأ « كفواً » بالواو ، فخفَّف الهمزة واواً . وكان حقّه أن ينقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها ، فيقول : كفاً ، لكنَّه رفض ذلك لئلًا يخالف الخطّ ، فأعمل الضمَّة الأصليَّة . ومن ثمَّ تلك المحاولات لتوجيه القراءات الشاذَّة ، بل لمطلق القراءات إذا كانت موافقة للرسم . انظر كيف يوجِّه الدمياطي قراءة حمزة : « وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ » « 1 » بجرِّ الأرحام عطفاً على الضمير المجرور بالحرف وفق مذهب الكوفيّين « 2 » . ويوجِّه قراءة ابن عامر : « وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ » « 3 » قرأ « قتل » مرفوعاً نائب فاعل ل « زُيِّن » الَّتي قرأها مبنيَّة للمفعول ، ونصب « أولادهم » على أنَّه مفعول به للمصدر . وجرَّ « شركاؤهم » على إضافة المصدر إليه مع الفصل « 4 » وأمثال ذلك كثيرة في توجيه القراءات الشاذَّة . والكتب في توجيه القراءات - ولا سيَّما الشاذَّة وذكر عللها وحججها - كثيرة ، منها : الحجَّة لأبي علي الفارسي ، والمحتسب لابن جنّي ، وإملاء ما منَّ به الرحمان لأبي البقاء ، والكشف عن وجوه القراءات السبع لمكّي بن أبي طالب . وغير ذلك مما يطول .

--> ( 1 ) النساء : 1 . ( 2 ) إتحاف فضلاء البشر : ص 185 . ( 3 ) الأنعام : 137 ، والقراءة المشهورة « شركاؤهم » . ( 4 ) إتحاف فضلاء البشر : ص 217 .